مجمع البحوث الاسلامية
594
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وهذا الّذي قاله ليس بصحيح ، بل الّذي نعتقد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الّذي رتّبه لا الصّحابة ، وكذلك نقول في سوره ، وإن خالف في ذلك بعضهم . ( 3 : 421 ) السّمين : قوله تعالى : ( غير ) في نصبه خمسة أوجه : أحدها : أنّه حال من الضّمير المجرور في ( لكم ) وهذا قول الجمهور ، وإليه ذهب الزّمخشريّ وابن عطيّة وغيرهما ، وقد ضعّف هذا الوجه بأنّه يلزم منه تقييد إحلال بهيمة الأنعام لهم بحال كونهم غير محلّي الصّيد وهم حرم ، إذ يصير معناه : « أحلّت لكم بهيمة الأنعام في حال كون انتفاء كونكم تحلّون الصّيد وأنتم حرم » ، والغرض أنّهم قد أحلّت لهم بهيمة الأنعام في هذه الحال وفي غيرها ، هذا إذا أريد ببهيمة الأنعام الأنعام نفسها ، وأمّا إذا عني بها الظّباء وحمر الوحش وبقره على ما فسّره بعضهم ، فيظهر للتّقييد بهذه الحال فائدة ؛ إذ يصير المعنى : أحلّت لكم هذه الأشياء حال انتفاء كونكم تحلّون الصّيد وأنتم حرم ، فهذا معنى صحيح . ولكن التّركيب الّذي قدّرته لك فيه قلق . ولو أريد هذا المعنى من الآية الكريمة لجاءت به على أحسن تركيب وأفصحه . الوجه الثّاني : - وهو قول الأخفش وجماعة - أنّه حال من فاعل ( أوفوا ) ، والتّقدير : أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلّين الصّيد وأنتم حرم . وقد ضعّفوا هذا المذهب من وجهين : الأوّل : أنّه يلزم منه الفصل بين الحال وصاحبها بجملة أجنبيّة ، ولا يجوز الفصل إلّا بجمل الاعتراض ، وهذه الجملة وهي قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ليست اعتراضيّة ، بل هي منشئة أحكاما ومبيّنة لها ، وجملة الاعتراض إنّما تفيد تأكيدا وتسديدا . والثّاني : أنّه يلزم منه تقييد الأمر بإيفاء العقود بهذه الحالة ، فيصير التّقدير كما تقدّم ، وإذا اعتبرنا مفهومه يصير المعنى : فإذا انتفت هذه الحال فلا توفوا بالعقود ، والأمر ليس كذلك ، فإنّهم مأمورون بالإيفاء بالعقود على كلّ حال من إحرام وغيره . الوجه الثّالث : أنّه منصوب على الحال من الضّمير المجرور في ( عليكم ) أي إلّا ما يتلى عليكم حال انتفاء كونكم محلّين الصّيد . وهو ضعيف أيضا بما تقدّم من أنّ المتلوّ عليهم لا يقيّد بهذه الحال دون غيرها ، بل هو متلوّ عليهم في هذه الحال وفي غيرها . الوجه الرّابع : أنّه حال من الفاعل المقدّر ، يعني الّذي حذف وأقيم المفعول مقامه في قوله تعالى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ، فإنّ التّقدير عنده : أحلّ اللّه لكم بهيمة الأنعام غير محلّ لكم الصّيد وأنتم حرم . فحذف الفاعل وأقام المفعول مقامه ، وترك الحال من الفعل باقية . وهذا الوجه فيه ضعف من وجوه : الأوّل : أنّ الفاعل المنوب عنه صار نسيا منسيّا غير ملتفت إليه ، نصّوا على ذلك ، لو قلت : « أنزل الغيث مجيبا لدعائهم » وتجعل « مجيبا » حالا من الفاعل المنوب عنه ، فإنّ التّقدير : « أنزل اللّه الغيث حال إجابته لدعائهم » لم يجز فكذلك هذا ، ولا سيّما إذا قيل : بأنّ بنية الفعل المبنيّ للمفعول بنية مستقلّة غير محلولة من بنية مبنيّة للفاعل ،